اعمدة الراي

*مصطفى أبو العزائم يكتب * *دارفور .. تحْتُ الرّمَادِ وميض نار ..*

*مصطفى أبو العزائم يكتب *

*دارفور .. تحْتُ الرّمَادِ وميض نار ..*

ما يحدث في إقليم دارفور الكبرى مُنذُ نهاية حِقبة حُكْم الإنقاذ الذي إستمرّ لثلاثين عاماً ، هوَ أمْرٌ مدبّر ، يتِم الترْتِيب له بدقّة وحذق وإحترافِيّة عالية حتى تتفجّر الأوضاع وتعود إلى ما كانت عليه قبل العام 2003م ، وليس لدى صاحِبكُم أدنى شك في ذلك ، وقد سبق لنا ونحن عددٌ قليلٌ من الصّحفييّن ، أن قمنا قبل سنوات بإعداد كِتَابٍ عن قضيّة دارفور تحت عنوان( دارفور .. الحقيقة الغائبة ) صدر عن المركز السوداني للخدمات الصحفيّة ، وقد كان المحتوى مُتضمِناً أصل المشكلة وتطوراتها ومن يقف خلفها ، والأهداف المطلوب تحقيقها من تلك الأزمة التي نجحت في شقّ صفِّ مجتمع دارفور المسالم الكريم .
لا زِلت على ذات القناعة التى ترسّخَت لديّ بأن هناك أيدّ خفيّة وراء هذه الأزمة التي إستفحلت مع مرور الوقت ، وقد بدأ الإعداد لها منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ، بترتيبات خاصة من العقيد مُعمّر القذّافي ، بسبب خصوماته مع نظام الإنقاذ رغم ما كان بينهما من ودّ بداية إنقلاب الجمعة الثلاثين من يونيو عام 1989م ، وقد كان العقيد القذّافي يحلم بأن يكون نظام الحكم الجديد في السودان إمتداداً لحلمه الكبير بأن يتم تطبيق النظريّة العالميّة الثالثة في السودان ، وقد إنخدع وقتها بإعلان النّظام الجديد في السُّودان تبنّيه لنظام المؤتمرات ، وكان ذلك هو واقع الممارسة السياسية في الجماهيرية العربية الليبية الإشتراكية العظمى ، وهكذا كانت تُسمّي في عهد العقيد الرّاحِل ، وشاءت إرادة الله أن أكون هناك في تلك الفترة ، وشهْدتُ زيارة العميد أركانحرب وقتها عمر حسن البشير إلى طرابلس كواحدة من أوائل العواصم العربية التي يزورها ، وشهِدتُ زيارات عدد من المسؤولين السُّودانيين للعاصمة الليبية ، وإلتقيتُ ببعضِهم لأول مرة هناك مثل المقدم وقتها يوسف عبدالفتاح الذي قال له العقيد القذافي إنه يرى فيه شبابه ، وكنت أعمل وقتها مديراً تجارياً لمؤسسة القدس الإعلامية في طرابلس ، وهو واحد من مكاتبها التي كانت موزعة ما بين الدار البيضاء حيث المكتب الرئيسي ، وتونس وروما .
بدأت ألاحظ بعد الخلافات والإختلافات بين نظامي الحكم في كل من الخرطوم وطرابلس ، أن العاصمة الليبية كانت تستقبل كل يوم وجهاً من وجوه المعارضة السُّودانيّة ، وقد إلتقيت بهم جميعاً ، إذ كانت السلطات الليبية تخصّص لهم مقاماً في الفندق الكبير المُطِل على البحر الأبيض المتوسط ، والذي يفصل بينه مكاتب مؤسسة القدس الإعلامية شارع رئيسي واحد هو شارع محمد المقريف ، ثم إلتقيت خلال تلك الفترة بأستاذنا المفكّر السوداني الكبير الأستاذ عبدالله زكريا ، أحد أكبر المساهمين بعد الأستاذ الراحل بابكر كرار ، مؤسس الحزب الإشتراكي الإسلامي الذي كان مكتبه القيادي يضُم الأساتذة عبدالله زكريا والدكتور ناصر السِّيد ، والمرحوم ميرغني النصري ، وقد إنشقوا من الحركة الإسلامية منذ عهودها ، وكانوا مقرّبين للقائد مُعمّر القذّافي الذي إستلهم من أفكارهم وطرحهم وفلسفتهم السياسية ، إستلهم فكره ونظريته العالمية .
أحلام القذّافي التوسعيّة كانت كبيرة ، وكان يحلم بأن يتوسّع على حساب الجوار ، فكان قد غامر مبكراً بحربه مع تشاد ، وهًزِم فيها ، ثم إتجه لإستغلال إقليم دارفور في تصفية حساباته مع نظام الإنقاذ ، مع التوسّع جنوباً لتكون مدخلاً آمناً لبقيّة القارّة ، لذلك أسس عن طريق مكتب اللجان الثورية في ليبيا نادٍ إجتماعي بإسم النادي السّوداني ، لكنه لم يكن إجتماعياً بل إقتصرت عضويته على عدد من أبناء إقليم دارفور الكبرى ، وأخذت القيادة الليبية تغذّي في نفوس عضويّة النادي الجديد ، روحاً عدائية ضد نظام وصفته دائماً بالتسلط والعنصرية والمتاجرة بالدين ، ودعَتْ إلى محاربته وحمل السلاح ضده ، ووجدت تلك الدعوات إستجابة لدى بعض أصحاب الغبن السّياسي الخاص ، ولدى أصحاب المواجع القبلية ولدى أصحاب الأجندات الخاصة ، وتدوّلت القضيّة وأصبحت لدى البعض قضية عنصرية ومواجهات بين القبائل العربية وغير العربية ، ودارت رحى الحرب تطحن في كل الأطراف وعلى كل الإتجاهات لتخسر بلادنا شبابها ومواردها ومقوّمات قوتها ، ليس حرباً ضد النّظام السّابِق وحده بل ضد السودان كله لتضيف جُرحاً جديداً نازفاً إلى جراحات الوطن القديمة وفي مقدمتها جرح الجنوب .
موقع النادي السوداني ذي العضوية المقفولة كان بين شارعي محمد المقريف ، وميزران المتوازيان في مسار الشرق نحو الساحة الخضراء من جهة مبنى البريد أحد أشهر مدينة طرابلس المطلة على البحر الأبيض المتوسط ، وكان مكتب القدس الإعلامية في العمارة المجاورة لمبنى النادي .
الآن ورغم إن عجلة التاريخ لا ترجع إلى الوراء ، إلا أن هناك أيادٍ أجنبية جديدة أخذت تعيد ترتيب أدوات الحرب والخراب ، مع تحديد أهداف جديدة رغم غياب العقيد مْعمّر القذّافي الذي أطاحت به ثورة شعبية غذّاها الإسلاميون هناك ، والذين يريدون الآن السيطرة على مقاليد الأمور ، ووراثة الدولة الليبية .
ما يحدث في دارفور الآن هو إعادة لإنتاج الأزمة ، وهو دق طبول الحرب بين مكونات المجتمع الدارفوري لتشتغل نيران الحرب والقتال بين القبائل العربية وغير العربية ، نقول بالصوت العالي ونحذّر من إن الذي يجري على أرض دارفور إذا لم يتم تداركه الآن فإنه سيكون بداية النهاية لوطن شاسع واسع كان لنا جميعاً لكنه في الطريق ليكون مجزّأً يتقاسمه أصحاب المصالح .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق