المنوعات والفنون

*العفاض. أسفار الزمن الجميل

*العفاض. أسفار الزمن الجميل*
كتب شمس الدين حاج بخيت جقلاب
علي الأرض القفراء الرحيل الي العفاض ليلا ورصد النجوم والأزاهير نيام هكذا تبدو الصورة حينها وجمال الحياة يكمن في ذلك الأثر السماوي الخلوب ، حين تبدأ العربة(اللوري) في شق الصحراء تظلنا سحبا صغيرة داكنة حينا ثم ترحل فتلتظي الرمال الصماء بنهار الصحراء . خرجت الشاحنة من الركن الشمالي الغربي لمدينة أمدرمان ، وسارت والأرض تلتهب ، سفر عسير هو الآن في بدايته ، هو غمرة يأمل الإنسان أن تنجلي دون عسف لأنها إن شقت فإن كأسها غير سلسل . مضت العربة وهي تتقدم بعناء حينا ومن غير عناء غالب الوقت ، فابتعدت ونأت وبلغت اكباد صحراء بيوضة ليصيبها الذي هو بالمرصاد وتفقد بمسافة قصيرة اثنين من اطاراتها ، سمعنا صوت الدوي وتساقطت علينا ونحن علي ظهرها قطع صغيرة من فتات الإطارات .
أصبحت الشاحنة كما وصفها أحد الركاب جمجمة جاثمة وسط الصحراء لا تملك من أمر نفسها شيئا ، وتحت سطوة الشمس كان علينا أن نسرع بتدبير الأمور ، تفرق بعض الركاب مبتعدين لأن العربة كانت تتبع طريقا نائيا يبعد كثيرا عن تلك الدروب التي تسلكها الشاحنات عادة . ما أقسي السير علي الرمال الراحلة ونحن نخطو دون هدف أكيد ، اتجهنا غربا وكان رفيقي في ذلك البحث إبن عمي محمد احمد البوب(رحمة الله عليه): عندما يرضي الزمان وتبسم أيامه يهب الإنسان فؤاد لا يشيب ، تجده طلق المحيا سهل الخليقة هي سعادة الدنيا والآخرة ، بشاشة تضيق بها جنبات الصحراء . سرنا وأرهق السير الأقدام وتجدد العزم حينما شاهدنا ثلاث شاحنات تانكر عملاقة كنا ننصت الي أزيزها وأسرعنا الخطي لنقف علي طريقها .
لم يحفل بنا السائق الذي كان في المقدمة ولا الذي يليه بينما توقف الأخير ، صعدت علي جانب كابينة السائق وبينما كانت الشاحنة تانكر ضخمة وجدت السائق صبيا لا يناسب حجمه ولا عمره هذا الهيكل الشاهق . كان الصبي يجيب باهتزاز خفيف من رأسه ولم ينطق بكلمة ابدا ، أدركت من نظراته انه غير معترض علي رفقتنا فاستجمعت عزيمتي وأبلغته بنبأ بقية الركاب الذين تركناهم بجوار الشاحنة النائية وبينهم نساء وأطفال ، أطال الصبي النظر بوجه محايد فلا يستطيع المرء أن يستبين إن كان متعاطفا رق للأمر قلبه أم متوشحا بصبر جميل ريثما ينجلي هذا العسر الذي رمت به الأقدار وسط الصحراء ،
هي أجمل الذكريات السفر حينها الي أمنا الرؤوم(العفاض).والتي كنا نسافر إليها كل عام وتحديدا في نهايات شهر أغسطس(موسم التمر).برفقة متعددة وممتعة لازال صداها وأثرها النفسي موجودا.نمكث هنالك قرابة الأسبوعين لإكمال عمليات حش التمر ومعاودتة الأهل والأحباب..رحم الله والدي الحاج بخيت علي جقلاب والذي ترك لنا أثرا ومنافع هائلة هنالك لازلنا ننهل منها جعلها الله في موازين حسناته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق