التقارير

*الفاتح داؤد يكتب،،،* *القاهرة الخرطوم…ملفات حارقة علي الطاولة ،،

*الفاتح داؤد يكتب،،،*
*القاهرة الخرطوم…ملفات حارقة علي الطاولة ،،،*
قراءة: الفاتح داؤد
كما كان متوقعا لها فقد استقطبت زيارة الرئيس المصري الجنرال عبدالفتاح السيسي الي الخرطوم ، علي حيز مقدر من الاهتمام في الاوساط السياسية والاعلامية في كلا البلدين، وتاتي رحلة السيسي في ظل جملة من المتغييرات السياسية و الاستراتجية في عموم المنطقة والإقليم ، تستدعي بالضرورة قدرا من التعاون والتنسيق لمجابهة ارتدادتها السالبة علي البلدين ،خاصة تطورات ملف سد النهضة والتنسيق ، في قضايا الامن والإرهاب والحدود
ورغم التسريبات الإعلامية الشحيحة، التي أدلى بها الطرفان حول مخرجات الزيارة، إلا أن كل المؤشرات السياسية، تؤكد أن زيارة السيسي الي الخرطوم ،تبدو علي الارجح ذات صلة باعادة ترتيب وصياغة عدد من الملفات السياسية والأمنية ،بالتوازي مع التحولات السياسية المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية ، فضلا عن التعاطي مع الملفات الداخلية في كلا البلدين ، التي تستدعي بالطبع بناء رؤية وتصور سياسي مشترك ، يتجاوز اخطاء الماضي ويستوعب مطلوبات الشراكة الجديدة ،بما يتسق مع روح التغيير السياسي الذي حدث بالسودان ،كما يبدو واضحا رغبة الخرطوم في فتح صفحة جديدة مع القاهرة ، عنوانها الأبرز بناء الثقة و تبديد الهواجس المصرية من السيناريوهات المستقبلية في سودان مابعد الثورة،الذي بدأ في تبني سياسية خارجية اكثر توازنا و استقلالية ،بدات أكثر ازعاجا للقاهرة ،بعد اعلان الحكومة الانتقالية تطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل،حيث تعتقد القاهرة ومن منطلقات استراتجية أن صفقة التطبيع بين الخرطوم وتل ابيب، ربما تمثل تهديدا مباشرا لعمقها الاستراتيجي، وأمنها القومي في تخومها الجنوبية، كما تبدو مصر الرسمية في حالة من القلق، نتيجة حالة السيولة السياسية والأمنية التي سيطرت علي السودان منذ الاطاحة بالبشير ، وتخشي القاهرة أنحدر الاوضاع الي مستنقع الفوضي وتكرار السيناريو الليبي في حدودها الجنوبية، والذي سوف يؤدي الي إثارة مخاوف قديمة متجددة .
ورغم الحديث عن أزلية العلاقة بين البلدين، بالاستناد الي أواصر التاريخ والجغرافيا والروابط الثقافية والاجتماعية، وأن بدء هذا التوصيف عاطفيا (بعض الشئ ) ظلت العلاقة بين مصر والسودان، تتجاذبها موجات المد والجذر صعودا وهبوطا، وفقا للمواقف السياسية للنخب الحاكمة وليس لمصلحة الشعبين .
كما ينظر قطاع عريض من النخبة السودانية ، الي سجل مصر السياسي في التعاطي مع الحالة السودانية، علي أنه الاكثر تناقضا واستعلائية، وان القاهرة قد ظلت تلعب تاريخيا دور الوصاية علي شئون السودان ،ولم تتورع في التدخل والتأثير في شئونه الداخلية منذ استقلال البلاد العام 1956م،بل كان خيارها علي الدوام تفضيل التعامل مع انظمة سياسية ذات صبغة شمولية ،درجت علي توفير قدر من الحماية والغطاء السياسي لها مقابل الحفاظ علي مصالحها ،ولم يعرف عن مصر يوما احتفاءها بالتجارب الديمقراطية السودانية علي قلتها، فقد ناصبت الحكومات المدنية العداء، وتامرت للقضاء عليها، وقد بلغت ذروة خلافاتها مع الانظمة المدنية، ابان الديمقراطية الثالثة،للدرجة التي دفعت حكومة الصادق المهدي ، الي الغاء عدد من الاتفاقيات المجحفة، مثل اتفاقية الدفاع المشترك، واتفاقيات التكامل التي وقعتها الحكومة المصرية مع حكومة مايو، لتأكيد نفوذها وبسط سيطرتها علي السودان ، وتكريس حالة التبعية السياسية والثقافية للسودان ،وقد استعاضت حكومة الصادق المهدي ، بدلا عن هذه الاتفاقيات بميثاق الاخاء الذي رفضت الحكومة المصرية التعامل معه، لان كل بنوده كانت قائمة علي الحفاظ علي مصالح السودان،
ورغم الاتفاقيات المتعددة التي تم التوقيع عليها بين البلدين للدفع بعلاقاتهما نحو افاق استراتيجية ،الا أن هذه الجهود لم تفلح في ردم الهوة ،ولم تنجح في مغادرة مربع الوصاية والتشكيك ، لاعتقاد كثير من النخب السودانية ان مصر الرسمية ومن خلفها نخبتها ومراكزها واعلامها ومزاجها الشعبي ، لازالت تتعاطي مع السودان من منظور استعلائي ، يستمد زخمه من خطاب ثقافي واعلامي منحاز جدا ، بل ولازال أسيرا لدعاوي التاريخ والروابط الحضارية، ولم يغادر بعد الي محطات عملية تنتهي الي ترجمة هذه المثاليات الي سياسيات وشراكات استراتجية ومشروعات وبرامج منتجة ،بينما في الجانب الآخر ( السودان) يغلف هذا الخطاب الشك المتبادل وصورة ذهنية سالبة ، ارتبطت في المزاج السوداني بالسيطرة المصرية ،وتاثيرها الكبير في تشكيل المشهد السوداني عبر اذرعها السياسية والإعلامية والأكاديمية . لذالك لم تخلو مسيرة العلاقة بين البلدين من روح الحرب الباردة ،التي تتصاعد عادة مع بوادر اي خلاف سياسي، الذي يتحول سريعا ،الي معركة من التراشق والشتائم ، بسبب حملات الشحن الاعلامي والتعبئة التي تديرها بكل أسف الحكومات، ضد مايتم تصوره للرأي العام علي أنه عدو خارجي .
وقد ظل هذا الخطاب يتضخم و يتمدد في الفضاء السياسي منذ احتلال مصر مثلث حلايب،بعد استغلالها الانتهازي لمحاولة اغتيال الرئيس مبارك المتهم فيها عناصر من قيادات النظام السابق ،ومنذ ذلك التاريخ لم تشهد علاقات القاهرة الخرطوم، تغيبرا جوهريا يصب في مصلحة الشعبين ، باستثناء اتفاقية الحريات الأربعة التي وقعتها القاهرة مع النظام السابق في العام (2004م،) التي شملت حرية التملك والتنقل والإقامة والعمل،حيث عدها كثير من مواطنو البلدين بمثابة نقلة نوعية في مسار العلاقات الاستراتجية ، الا أنها لم تحقق النتائج المرجوة منها علي الأرض ، لعدم التزام مصر بتعهداتها القانونية ، فضلا عن انشغال السودان بازماته الداخلية المتناسلة.
وبعد اطاحة ثورة ديسمبر الشعبية بنظام الانقاذ دخل السودان مرحلة سياسية جديدة، رغم استقرار ملامحها وقسماتها النهائيةبعد ،الا انها قد تمثل لمصر الرسمية أحد اهم المخاوف الاستراتجية ، اذ يري خبراء أن تفاعلات ثورة ديسمبر قد كشفت، أن مصر لم تعد اللاعب الوحيد في الساحة السودانية ،بعد دخول اطراف اخري في المعادلة السياسية ، وان هذه الأطراف قد بدأت تتمدد وتستحوذ علي نفوذ مصر التاريخي في السودان، من خلال بسط سيطرتها علي مفاصل صناعة القرار السياسي، والتحالفات مع جنرالات المؤسسة العسكرية وتوظيف نفوذهم بمايخدم مصالحها في الإقليم ،كما تخشي مصر أن تاثر هذه السيطرة هيكل الدولة السودانية نتيجة اندفاع هذه الأطراف وسباقها المحموم للسيطرة علي الموارد والمياه والنفوذ، في عموم بالقرن الأفريقي .
كما أن انشغال مصر بتداعيات الصراع الليبي واهتمامها باعادة صياغة توازناتها الاستراتجية في المنطقة الممتدة من الحدود الشمالية للسودان الي تخوم ليبيا وصولا إلي منطقة القرن الأفريقي، قد ادي استنزف قدراتها وصرف طاقاتها الي صرف انتباهها من الاهتمام بالشئون الداخلية للسودان ،خاصة بعد تنامي النفوذ العسكري التركي ، وحالة التهافت والتنافس مع الإمارات ، للسيطرة علي الموارد والطاقة والممرات المائية في البحر الاحمر والأبيض المتوسط .وهو ماقد يدفع مصر الي مراجعة استراتجياتها في التعاطي مع التطورات الجديدة بالسودان .
كما لم تغفل مصر أهمية تحييد السودان أو استقطاب السودان الي تبني مواقفها ،في معركتها الاستراتيجية مع دولة إثيوبيا في ملف سد النهضة، الذي أصبح أحد أهم الملفات التي تقاتل عليها مصر في عدد من الجبهات السياسية والدبلوماسية، إلا أن مصر لم تستوعب بعد أن التغيير الذي حدث في السودان ،ستكون له آثار مباشرة علي أمنها القومي وعلي تموضعها السابق في السودان ،وان الخرطوم لن تتبني الأجندة المصرية دون مقابل ،خاصة مع صعود جيل جديد من الساسة الشباب،يبدو أكثر تحررا من العقدة التاريخية ،و علي درجة عالية من الوعي و الاستقلالية والندية في التعامل مع مصر ،ولايري حرجا في الاعلان عن تحفظاته علي الطريقة التي يدار بها ملف العلاقات بين الدولتين، التي ينبغي أن تقوم علي التكافؤ والندية والشراكة والاستقلالية ،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق