اعمدة الراي

حسن فضل المولى يكتب .. ..أبو وضاح .. في ذكرى رحيله

حسن فضل المولى يكتب ..

..أبو وضاح .. في ذكرى رحيله ..

إنّ في الناس ..
من هم أبرّ الناس بالناس
وأحب الناس إلى الناس ..
وإنّ من الناس ..
من تستعيذ منهم برب الناس ..
و خلال مسيرتي في الحياة، وهي ليست بالقصيرة ، وقفت على أصنافهم فوجدت بينهم ..
أُناساً تَهَبهُم رحيق العمر ، وماء العيون ، وتستمطر بين يديهم السماء ، وتقاتل دونهم من يترصدهم من بني آدم ، وبني آوى ،، فيخزلونك وتفتقدهم حيث ينبغي أن تجدهم ..
وقد يَنالُك من بعضهم ، من الجحود والنكران والتجني ، ما يسوء ، ويبعث على ( التَقَزُز ) و الحسرة والأسى ..
إنَّ هؤلاء يصدرون عن طبعهم ..

وأناساً لم تُلْقي إليهم بَاَلاً ولم تُسْدِي إليهم معروفاً ، فإذا نابتك نائبة ، أو حَزَبَكَ أمرٌ ، تجدهم حولك ،، يملأون الربوع ، ويُبددون ظُلْمَتَكَ بالشموع ، ويرسلون الدموع ، ويحملون لك معزةً تُزاحِمُ الضلوع .. فتتحسر ،، ياليتني نَعِمتُ بصحبة (ذاك ) أكثر و أعمق ، وياليتني قدمت بين يدي ( تلك ) الأغلى والأنفس ..
وإنَّ هؤلاء ليَصْدُرون عن خُلُقِهِم ..

وثلة لا يتزحزحون عن مولاة من ألِفوا ،، هم على عهد المودة والصفاء والوفاء ،، يُقْبِلُون بقلوب بيضاء كالثلج ،، تفيض محبةً ، و تَقِي من حر السموم ، وتقيل من عثرات الطريق ..
وتتوارى لتجدهم في انتظارك ، لم يُبدِلوا ولم يتحولوا ..
( غيب وتعال
تلقانا نحنا يانا نحنا 
لا غيرتنا ظروف
ولا هزتنا محنه ) ..
وإلى هذه الثُلةِ المباركة ينتسب ..
وهو الحال الذي عَرَفْتُهُ عليه ..
ومن يكون هو ، غير ( صلاح دهب ) !!
والذي ذهب ..
وترك لنا من مَعِين الذكرى مالا يغيض ولا ينضب ..
وهي ذكرى ، كلما عبرت بي ، تُوقِظُ فيَّ العزمَ ، على استجلاء معانٍ، واستدعاء مغازٍ باقيات زاكيات ..

ذلك أنََ تَذَّكُر محاسن من رحلوا من الأحبة ، أمرٌ يبعث على إحياء كل ماهو نبيل ، والإنقياد لدواعي الخير في حياتنا ، من قبيل الترويج للأفضل والأحسن والأجمل ، في حياة كل من عرفنا ومن لم نعرف ، ذلك أن ( الخَلْقَ عِيالُ الله ، وأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله ) .. ولا أجد نفعاً لعيال الله يضاهي ، الحمد و الإطراء و الثناء ..
ويحملنا هذا التذكر ، على الإقلاع عن الأسوأ ، والذي هو التنقيب عن مواطن القُبْح والقصور ، وهو سلوك أولئك الذين ..
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً
مني وما سمعوا من صالحٍ دفنوا
صُمٌ إذا سمعوا خيراً ذُكِرتُ به
وإن ذُكِرتُ بسوءٍ عندهم أذنوا ..
( اللهم إني أعوذ بك من خليلٍ ماكرٍ ، عيناه ترياني ، وقلبه يرعاني ، إن رأى حسنة دفنها ، وإن رأى سيئة أذاعها ) ..
ويَعُجُ زماننا هذا بأناسٍ الإساءة إلى الآخرين والتربص بهم ، هي ماؤهم ، وغذاؤهم ، ونُسُكهم ، وقيام ليلهم ، ( وكُحْل ) أعينهم ..
والعياذ بالله ..

ومن بركات الذكرى ، وأريجها الفواح ،
أسوق بعضاً من مناقب ( صلاح )
لعل الله يجمعني به في زمرة أهل الفلاح ..
إذ كان سَمْتُه البساطة ، والتواضع ، وخفض الجناح ، لمن هو أدنى وأرفع ..
وأذكر له هنا ، تجافيه عن التَصَّنُع ، والرياء ، واعتمار الأقنعة ،،فهو ناصحٌ واضح ، وإن اختلف معه البعض، فيما يقول ويكتب ..
والذي يقوله ويكتبه ، لا يتجاوز الغرض الذي من أجله قال وكتب ، فلا يبتغي من وراء ذلك إيقاع ضررٍ أو إيلامٍ بقدر ما كان ينشد الاصلاح ، مااستطاع إليه سبيلاً..
وكان في ذلك ، لا يخوض فيما لا يعنيه ، إلا بقدر ما يخصه و يعنيه..
و تجده ، إذا مال إليك ، يَزُوُدُ عنك بقلمه ، ولسانه ، ومشاعره ، وما ملكت يمينه ،، بالطريقة ذاتها ، التي يقاتل بها عن قناعاته ، وما وطن عليها نفسَهُ من مواقف ، يسهر لها ، ويَنْصَب في سبيلها ، ويشقى ..

و مسيرته تعكس ثباتاً وتعلقاً وكثير وفاء ..
يألف المكانَ والإنسانَ
ويألَفُهُ المكانُ والإنسانُ
أما أنه يألف المكان ففي إستمراره في ( أخبار اليوم ) هذه الفترة المتطاولة ، ما يَشِي بذلك ويُعَضِّد ،، وهو يتلقى من العروض مايُغري ويُغني
و إن كان ( مؤسسةٌ ) يعتلي ذروة سنامها ( أحمد البلال الطيب ) لا تملك أن تبرحها طائعاً مختاراً
ومؤسسة تظفر بصلاح دهب ، لا تملك أن تضيق به أو تودعه أو تقلوه ..

وأما أنه يألف الإنسانَ ،، فتجده راسخاً في علاقاته ،، لايتقلب ، ولا يشيح بوجهه عن صاحب وحبيب ، ويشهد على ذلك ذوو القربى وكل وليٍ حميم ..
وأنا على ذلك من الشاهدين الممنونين ،
لما كان يبديه نحوي من مَعَزَّة ، ويخصني به من تقدير ، لاأزال أتذوق طعمه ، وأتحسس مكانه من فؤادي ، لذلك كنت ، ما أن تقع عليه عيني في مكان ، إلا وانجذبت نحوه ، وطاب لي المقام إلى جواره ..
و كان لايمضي وقت طويل ، إلا ويهاتفني ،، مقترحاً ، أو مستدركاً ، أو مُصَوِّباً ،، بلطف وأدب ..
وهو يُسَدُد ويُصَوِّبُ ..
كنت أجده يتجنب صيغ الأمر والنهي الغليظة ، من قبيل ،، افعلوا ، أو لا تفعلوا ، أو لماذا لم تفعلوا ، بل كان قوله ..
( لو فعلتم كذا لكان أفضل وأجدى ..
وعليكم بفلان فإن نفعه أعظم ..
وهذه الصورة مقلوبة ، يلزمكم تعديلها ..
وهذه المعلومة تنقصها الدقة ..
وهذا العمل جميل وقد أعجبني ) ..
أو كما كان يقول ويردد ..
وهذا يتسق مع طريقته وسلوكه ..
إن ( صلاح ) يصنع الفعل ، ويعطيك شرف أن تتقدم أنت ، وتنال الحَظَوة ،
و ( الشَكْرَة ) .. وينزوي بعيداً سعيداً بما أصبته أنت ، من نجاح وصيت ٍ هو وراؤه وترياقه و قادح زناده ..

وهو يَصْدُر فيما يفعل عن حبٍ
لمن أحبَّ ..
و المحبة أحوالٌ ، وأطوارٌ ، وقرائنٌ ، وعلامات ..
فقل لي من تُحب !!
أقول لك من أنت
وإلى أي سِربٍ تنتمي
وأي حديث يستهويك
وأي فعلٍ يُرضيك
وإلى أي جنب في الهوى يكون مَرْقَدُك ..
لذلك كان ينتقي أصدقاءه ، وخاصته ، ليبذل لهم محبته و لِيُوقِفَ عليهم اهتمامه ، وليُعرَف بهم ، ويُعرَفون به ..
وهو في ذلك الخِل الوفي ..
والصاحب الذي لا يَكْفُر العَشِير ..
ومن ذلك أني ما رأيته قط إلا وهو برفقة زوجه ،،( حنان عبدالحميد أم وضاح) ..
كانا متلازمين لا يفترقان ..
هي نَسِيمُهُ العليل وهو ظِلُها الظليل ..
وفي هذا مما يُحمدُ له ويُنْسَأُ في أثره .. وهو من كريم الخصال ، التي حضَّ عليها رسولنا الكريم ..
(خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي ) ..
و لقد كان خيِّراً في أهله ، وهي خيرية امتدت لينعم بها من حوله ، لذلك كان وقع فقده مزلزلاً وموجعاً ..

ويبقى ( صلاح ) من حملة الأقلام ، الذين أوفوا الصحافة السودانية حقها ، من المهنية والإخلاص والعشق ، فكان من سدنتها المتبتلين ، وكانت له بمثابة الحصن الحصين ، والملاذ الأمين ، حتى ارتقى إلى مقام نرجو له أن ينال فيه رضاء رب العالمين ..
آمييييين ..
و يااااا ( صلاح ) ..
فأنا حزين ٌ، وحزين ..
حزين لفقدك ..
وحزين إذ أني أرثيك في زمن ، لا أملك فيه ، إلا أن أصرخ مع ( الفيتوري ) ..
( أيها السائق
رفقاً بالخيول المُتْعَبَة
قف ..
فقد أدمى حديدُ السرجِ لَحمَ الرَقَبَة
قف ..
فإن الدرب في نَاظِرةِ الخيل اشتبه
هكذا كان يُغَنِّي الموت حول العربة
وهي تَهْوِي تحت أمطارِ الدُّجى مضطربة ) ..
و سلامٌ عليك في الأولين
و سلامٌ عليك في الآخرين ..
و سلام ٌ
و سلامٌ
و سلام ..

أم درمان ٧ مارس ٢٠٢١

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق