اعمدة الراي

حسن فضل المولى يكتب : يسرية محمد الحسن .. شجرة الرُمَّان

حسن فضل المولى يكتب :

يسرية محمد الحسن .. شجرة الرُمَّان ..

أجدني ممتناً للعزيزين ( عبد الوهاب هلاوي ) و ( مختار دفع الله ) و هما يُطوقانني بثناء غامر ، تقريظاً لما غمرتني به الأستاذة ( يسرية محمد الحسن ) من مدحٍ أراني أتقاصر دونه ..
و ( هلاوي ) و ( مختار ) ..
شاعران مُجِيدان
وهما إلى نفسي صديقان قريبان
ولكل من عَرِفَا نبيلان وفيِّان
وثناؤهما لا شك يُبْهِج الإنسان ..

و ( يسرية ) ..
كثيراً ما أجدها تُثْنِي عليّ ،
وتذكُرُني بخير ..
وبغض النظر عما تحيطني به من إطراء ..
فأنا دائماً أَزِنُ الناس من خلال ما يُظهرونه من مشاعر تجاه الآخرين ..
يأسرني الذي لا يفتأ يذكر الناس بكل جميل ..
و يُثِير حفيظتي الذي لا يرى في الناس شيئاً جميلاً..
الأول كحامل المسك ..
و الثاني كنافخ الكِيْر ..

( يسرية ) معقود على ناصيتها الوفاء ..
تحفظ لك ما قدمته لها من القليل ..
و تظل تتغنى بهذا القليل ..
و تُلْبِسُك حللاً زاهيةً من ذلك القليل ..
إنها ذلك النوع من النساء ..
إذا قيل لك كيف تراها !!
لا تزيد على أن تقول إنها ( جميلة ) ..
دون أن تجدك بحاجة ، إلى ..
الشرح و التفصيل و التعليل و التكرار ..
إنها ( جميلة ) ..
و كفى ..
هذا انطباعي عنها لأول مرة ، وأنا أراها ( تتهادى ) مُقْبلةً علي ، في ثبات و وقار ،
و أنا في أول عهدي بتلفزيون السودان ..

و كل يوم يمر كان يتجلى لي معدنها ..
و تنجلي لي شمائلها ..
و اسْتَجْلِي كريم خصالها ..
إذا قالت لك أنت مخطئ ، فعليك أن تتحسس مواطئ أقدامك ..
وإن هي أثنت عليك ، فأنت السعيد بثنائها ..
هي معك تقاتل بشراسة ، إذا كنت على حق ..
وتقاتلك بشراسةٍ أشرس ، إذا بدا لها منك مايسوء ويُشِين ..
تفعل كل شيئ بحب ..
حتى عندما تغضب ، فلا تجد لغضبها من وصف سوى أن تَرْكَنَ إلى الشاعر ( حميدة أبوعشر ) ..
( على كل حال شكلك بديع
و غضبك جميل زي بسمتك
حكم الغرام بتذللي
وحكم الجمال بتدللك
الاشتياق والإحتراق والوجد لي
و الابتسام والانسجام والحسن لك
عجباً تكون قاسي و وديع
على كل حال شكلك بديع
و غضبك جميل زي بسمتك ) ..

كان ديدنها البساطة ..
ثم البساطة ..
و لو تجسدت البساطة في صورة امرأة، فلن تكون غير ( يسرية محمد الحسن ) ..
كل صنيعها يأتي بلا تكلف أو تعقيد .. في مظهرها ..
و في تعاملها ..
و في حديثها ..
و في طريقة و أسلوب قراءتها للأخبار وإدارتها للحوار ..
تجلس إلى ضيوفها في ( الأستديو ) ، وتدعهم يقولون كل ما يودون قوله ، براحة وأريحية ، دون أن تبادر إلى مقاطعتهم ، أو اظهار ( عضلات ) ثقافتها ، أو التشاغل عنهم بالانغماس في إصلاح شأنها ، وتَلَمُسِ أشيائها ..
وهذا مرده إلى أنها كانت مُبَرَأة من
( وهْمَة ) النجومية ..

وتَضَخُم الإحساس بالنجومية ، ( فايروس ) يُصِيب بعض المذيعين ومقدمي البرامج ، فيجعلهم يحسون أنهم الكل في الكل ، وهو ما يقودهم إلى التراجع ، والخروج بدون عودة من قلوب المستمعين والمشاهدين ..
وكنت أجد ( يسرية ) شديدة الالتزام بمنهج التقديم الراشد ، واستيعاب فنونه وطرائقه ..

ومن فنونه وطرائقه ..
لا تخطئ في اسم الضيف فلن يغفر لك ذلك ..
لا تقاطعه ..
لا تَتَعَالَم عليه ..
لو يكفي للسؤال كلمة فلا تقله في كلمتين ، ولو تفي بالغرض كلمتان ، فلا داعي للثالثة ..
عليك بتبسيط المعقد وعدم تعقيد السهل الميسور ..
البعد عن التقَعُّر والتكلُف والتحذلُق ..
وقبل ذلك يلزم ( مذاكرة ) موضوع الحلقة جيداً والسؤال عما أشكل
و غمض ..
و أن تزداد يقيناً كل يوم أنك في بداية الطريق ..
و حُسن الصورة وجمال الصوت مطلوبان ، ولكن الأهم ، سلامة الأداء ، وإيفاء الفكرة حظها من الطرح والمعالجة ..
وقد سبق لي أن أبديت اعجابي بأستاذي ( عمر الجزلي ) والذي كنت أراه يأتي مبكراً ، ويَنْكَّبُ على الأخبار مراجعا ومُدَقِقَا .. لا يترك فتحةً ولاضمةً ولاكسرةً ، إلا أحصاها ، وهو من باستطاعته أن يقرأ ( النشرة ) مغمض العينين ، ولكنها المهنية في أنصع تجلياتها ، والإتقان في أرفع درجاته ..
وهذا ما كنت أحرص على أن أوصي به بعض المنخرطين الجدد في مهنة التقديم ، من المذيعين والمذيعات ، وبتركيز أكثر ، على أولئك الذين أرى فيهم نهماً وتعجلاً للذيوع والاشتهار ..

و الذي عجم عود ( يسرية ) أنها قد عاصرت الكِبار ، و تتلمذت عليهم ، لتأخذ منهم أفضل السَنَن ، بأدبٍ و تواضعٍ و حرص ، فكان لها ما أرادت ، وإليه سعت ، و عليه استقامت ..

و أذكر ، بعد عشر دقائق ، من قراءتي في أحد ( القروبات ) لخبر إعفائي من إدارة ( قناة النيل الأزرق ) ، دخلت علي ( يسرية ) ، ومكثت معي وقتاً تجاذبنا فيه أطراف الحديث ، ومن ذلك عودتها ( لتلفزيون السودان ) ، فنصحتها بأن لا تعود إلا في وظيفة قيادية بالهيئة ، ثم مضت لشأنها ..
وبعد ساعة تقريباً ، وبعد أن عَلِمَتْ بالنبأ ، كَتَبَتْ تعليقاً في أحد (القروبات) ، أبدت فيه استغرابها ، و ذكرت أنها طيلة الفترة التي قضتها معي ، قبل قليل ، لم تلمس عليَّ تأثيراً لهذا القرار ، و كأن شيئاً لم يكن ..
و الذي حدث يومها ، أن الفترة التي قضتها معي ، كانت فرصة بالنسبة لي ، لاجترار تلك المسيرة الطويلة ، التي قضيتها متقلباً بين تلفزيون السودان و قناة النيل الأزرق ( ٢٥ عاماً ) ، والتي بدأت بيسرية وهاهي تنتهي بيسرية..
و كان هذا مصدر عدم اكتراثي للقرار ،
إذ كان حالي بين يديها ، أشبه بحال الشاعر ( محمد سعيد العباسي ) ، وهو يُحَيَّي ( مَلْيِط ) ..
( و هاأنذاستبدل ( مليط ) بيسرية ..
( حياك ِ( يسرية ) صوبُ العارض الغادِي
و جاد واديكِ ذا الجنات من واد ِ
فكم جلوتِ لي من منظرٍ عجبٍ
يُشْجِي الخليَّ ويروي غُلَةَ الصادي
أنْسَيْتِني برْحَ (لجنة التمكين) وما أخذت
مني ( الأيام ) بإيجافٍ وإيخاد ) ..

هذا قليل عن ( يسرية ) ..
و أثق ، أن ماكتبته سيُسعد أخي المخرج الألمعي ( شكرالله خلف الله ) ، و الذي ظل يأخذ عليَّ عدم التطرق في كتاباتي إلى المرأة ، و ما جمَّلَت به ( دنياواتنا ) من سحرٍ و أَلَق وجمال ..
خاصة وأنه شديد التقدير لها ، والفخر بها ..

والسلام ..
أم درمان ١٢ مارس ٢٠٢١

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق